25.8.07

كُلُّ الطرق تؤدِّي إلى صلاح سالم


في المدينةِ الأخرى، لا أعرفُ سواه: طريقُ البحر. بمحاذاةِ خطوتي دائمًا، بوصلةُ النجمةِ السوداءْ. بلا مفارقٍ تربكُنا، لسنا عاشقيْن. دونَ أن يتلامسَ كتِفانا مرَّةً، ليسَ صديقي. لكنَّني لا أعرفُ سواهُ، في المدينةِ الأخرى.



في الشوارعِ التي كانت عناوينَنا، فجأةً

أقودُ سيَّارةً غريبةً، العتمةُ لا تراني.



الإشارةُ المعطَّلةُ عَمْدًا
الشرطيُّ المنسيُّ منذُ الأزلِ بجوارِها

كشجرتيْنِ عندَ التقاطعِ، قُرْبَ منزلِنا الحزينْ

القمرُ فوقَهُما يشيخُ

نهرٌ يمرُّ في غفوةِ الجسورِ العاجزةِ، يجرفُني.




أغمضُ.
كُلَّما ابتعدْتُ، إليكَ أعادتْني الكوابيسُ.

كتبتُها، كما كانَ الوعدُ.

البترُ لا يُجْدي. الأعضاءُ تنمو ثانيةً، كُلُّ موتٍ يتكرَّرُ.

كُلُّ الطُّرُقِ تؤدِّي إلى "صلاح سالم".




السِّلالُ على الرصيفِ، بينَ الخطواتِ أزهارُها
كشكُ السجائرِ الشاحبُ، شرائطُ الموسيقى الملوَّنةُ

ذلكَ الزحامُ كانَ لنا أُمًّا

أشردُ في خطوطٍ خافتةٍ في تجويفةِ كفِّي

الخيوطُ، الخفايا

الخسرانُ بأصابعٍ خمسْ

شمسٌ واحدةٌ، أكثرُ من غروبٍ

تقودُني الطرقُ

كالطفلِ يتبعُني قلبي.




محطَّاتُ الباصاتِ المهترئة، الناسُ الابتساماتُ، الابتساماتُ السُكَّرْ.
ليلٌ في هامشِ المشهدِ يمشي، منكسرًا، بلا جناحيْن.

في قلبِهِ رصيفٌ ثالثٌ. أ
شجارٌ بأذرعةٍ كثيرةٍ تلوِّحُ. لنوافذِنا العابرة، لشبحٍ يلُوحُ ويمَّحي.

"صلاح سالم" شاعرٌ وحيد.




أذكرُها: إمرأةٌ مجنونةٌ بينَ السيَّاراتِ تركضُ. شبهُ عاريةٍ. العجلاتُ مُسْرِعَةٌ. عيونُهُمْ لا تراها. شَعْرُها يطيرُ، لا يحملُها معه. صراخُها في الضجيجِ يضيعُ. في وجهِها المذعورِ ما جعلني أتخيَّلُ جمجمتي، كأسًا بينَ يديْنِ مجهولتيْن. أعرفُهُما رُبَّما. لا أنساها.




مظلَّةٌ حيثُ لا تتساقطُ أمطارٌ
معطفٌ لإخفاءِ انحاءتي ونحولي

ما بيننا، نحنُ أيضًا نجهلُهُ

صمتٌ بينَ رصيفيْن، مصابيحُ معدنيَّةٌ مائلة

البردُ في أنفاسِنا فقطْ

"صلاح سالم" يُصْغي

ما لم تَقُلْهُ الوردةُ، تعرفُهُ دموعي.




القصرُ القديمُ، في زاويةٍ من الزمنِ الزائلِ. بسورِهِ، بسُرْوِهِ الأزرق، بأسرارِ سنواتٍ مَضَتْ وأماتَتْنا في مناماتِها. البوَّابةُ السوداءُ ذاتُها، ذاتُ القضبانِ والأقفالِ والقسوةِ الأنيقة. كانَ عليَّ أن أتخبَّطَ في جدرانٍ كثيرةٍ وجبال، كي أكسرَ ذلكَ الحجر. ملكةُ الليلِ مُضاءةً بتيجانِها، بأصواتِنا في الحديقةِ المُغلقة. الخفافيشُ الخائفةُ. الأصدقاءُ الذينَ كانوا أكثرَ قُرْبًا بأقنعتِهِمْ.
سأقفُ على عتباتِ العتابِ طويلاً دونَ أن أقوى على قولِ جُملةٍ سواها: أشعرُ بالظلم.




كانوا ضيوفَنا الجميلينَ حينَ كانَ الصيفُ بينَ أصابعِنا يلمعُ، كأنَّهُ سمكةٌ حيَّة. كانوا العطرَ العابقَ في المصعدِ، مقاماتِ القمرِ على السلالم. مرَّ النهارُ. مراكبُنا في النهرِ، رمادُهُمْ في المنافض. مراكبُنا من
ورقٍ. "الماضي" أغنيةٌ لا تغادرُني.




عيناها مغمضتانِ على غصَّةٍ
نصفا شمسٍ وأغنية، ليلٌ برموشٍ طويلةٍ

آخرُ المشانقِ والجثث، أوَّلُ الثلجِ والنسيان.




الشوارعُ الفرعيَّةُ، الشوارعُ الخلفيَّةُ، ثُمَّ الشوارعُ التي لا يعرفُها في المدينةِ سوانا. بيوتُنا المرسومةُ بأحبارٍ سريَّةٍ على الظلالِ، أبوابُها الخشبيَّةُ الخفيَّةُ، ما تحطَّمَ من لُعَبِنا، ما تبقَّى من عُلَبٍ وكُتُبٍ وقُمصان. تحملُ أسماءَنا، بعودتِنا تحلمُ. شوارعُنا. شواهدُ قبورِنا.




أقتربُ قليلاً منِّي. ترعبُني قسوتي. تنكرُني مرآتي. الصورُ لا تشبهُ أصحابَها. اقتنيتُ اللوحةَ وعلَّقْتُها. بقعةٌ سوداءُ في فراغٍ. من سِواك؟.




أحببْتُكَ. أحبُّكَ. أعترفُ، وأنتَ لا تعرفُ شيئًا عن عذابي.

هناك 4 تعليقات:

ali يقول...

حكايات برائحة الحلم
ولغة رائقة عذبة
تابعوا هذه المدونة التى تتوارى خلف شرفات المساء لتحكى حكاياتها
حكايات المساء
hisham66.blogspot.com

بالديسار يقول...

سيدتي

أشكر الصدفة التي قادتني لسطورك الجميلة

هذا تسجيل مرور أول
وبالتأكيد لن يكون الأخير

ودمتي بخير

فنجان قهوة يقول...

ادميتنى برقتك
بخيالك
بعفويتك
انا أسيرة هذا المكان .. اعترف

سوزان عليوان يقول...

تعليقك يا علي
( : !"يافطة إعلانية" وسط "صلاح سالم"

أهلاً بك

* * *

عزيزي بالديسار

أشكر المصادفات التي تقود أرواحنا إلى التقاطع
وأشكر روحك الجميلة على الزيارة.. وصحبة الأزهار


* * *

كلماتك يا فنجان قهوة
وردة أحمر منثور
في أرجاء المكان
والأمكنة.. أسيرة وردها

شكرًا من القلب

سوزان