14.1.12

حبر على سحابة - سيرك - مجلة "الصدى" 2012/1/8

الخيمة السكّريّة ذات القبّعة المقلّمة بالأحمر والأصفر تشبّهًا بقصور الأساطير، ألا تتعب من الترحال؟ ألا تؤلمها، من تراب إلى آخر، أوتادها التي ليست جذورًا أو أساسات بناء؟ ألا تحلم في الليل، في الأرض الغريبة، لو أنّها بيت يسكن إلى قرميده الحمام، وتنبت من حوله الأزهار؟
وحين تقدم وتصبح الثقوب أكثر من رقع النجوم الملوّنة في قماشتها، إلى ماذا تؤول؟ هل يقطّعون منها سجّاد الحلبة وأغطية الأقفاص؟
والمهرّج الشائب المهان، بمساحيق وجهه وكرة أنفه الحمراء وعينيه الغائرتين في الحزن والكحل وسط التجاعيد، هل يحتمل النظر في مرآة؟ هل كان لاعب كرات وسيمًا في الماضي، والعجز والحاجة حوّلاه إلى مهرّج يملأ الفراغات بين العروض؟
هل يولد الإنسان مهرّجًا؟ أم أنّ هذه المهنة محطّة ما قبل الموت في حياة إنسان؟
وماذا يحدث للبهلوان حين يكبر ولا تعود عضلاته وأعصابه قادرة على اللعب بالكرات؟
وماذا لو اختلّ توازن الراقص على الحبل الممتدّ بين عامودين، وسقط على الأرض، على عاموده الفقريّ؟
من يعيله، لو أصيب بإعاقة؟ وهل، في تلك الحالة، تحمله الفرقة معها من بلد إلى آخر؟ هل تحتمل نفقاته وألم وجوده؟ هل يشاهد العرض، عن مقعد متحرّك، وسط الجمهور؟
والكلاب النحيلة المنهكة التي تجرّ عربة يتناوب على مخمل مصطبتها المبقّع الصغار في فترة الاستراحة، كيف تلعق يد مدرّبتها بامتنان؟ ألا تعي الفرق بين الصديق والجلّاد؟ أم أنّها تدرك أنّ كلّ من يشارك في هذه اللعبة ضحيّة، وأنّها، على الأقلّ، أوفر حظًّا من كلاب الشوارع الضالّة؟
والنمور، النمور الرائعة، هذه التي تقفز كالسهام اللامعة في حلقة من النار، من أجل قطعة صغيرة من اللحم، كيف ترضى بترويض مخالبها وأنيابها؟ كيف تتواطؤ مع مدرّبها على هزيمة الغريزة والغابة؟
والخيول التي تلتهم السكّر إثر كلّ حركة ورقصة، هل تتذكّر طعم الصهيل؟
والساحر الأسمر، صانع الدهشة بحيله وألاعيبه، ماذا لو كان ساحرًا حقيقيًّا؟ ماذا كان سيُخرج من قبّعته الفضيّة أو كمّه الواسع؟ حياة أخرى؟
والأطفال، أطفال السيرك نفسه، صغار أفراد فرقته وأصغر أفرادها، حين تلتقي عيونهم بعيون أقرانهم من الجالسين مع عائلاتهم أو مربّياتهم على الكراسي كمشاهدين، هل يفكّرون مثلي: ماذا لو كنّا في مكانهم، نشاهد عرضًا جميلاً ونأكل الحلوى ونضحك، بدلاً عن حمل صناديق الأفاعي، ولملمة ما يتساقط من آبائنا وأمّهاتنا؟
ألا يتمنّون لو أنّهم يذهبون كلّ صباح إلى المدرسة، بمراييل نظيفة وحقائب على الظهور، وينامون في أسرّة لا تتنقّل في قافلة من الفقر والأحلام؟

هكذا توالت عليّ الأسئلة السكاكين، على امتداد العرض... وكأنّ الرماح التي لا تصيب الولد المقيّد إلى اللوح الخشبيّ تستقرّ في روحي! لم تستطع المتعة، أو ضحكات الأطفال وصيحاتهم من حولي، تبديد وجعي. على الإنسان والحيوان. على الجوهر الجارح لحدث يشبه الاحتفال ويحاول الفرح. على الوجود المجروح، المفتوح مع شبّاك التذاكر، مع قفص الأسد الهرم الناعس، مع ثقب في خيمة السيرك، نافذ إلى نجمة حقيقيّة وبعيدة. كأنّها ابتسامة البنت التي تكنس الروث خلف الستارة، كأنّها رقعة من السماء.

هناك 7 تعليقات:

معتز يقول...

كلنا في سيرك واحد سوزان ..
كلنا عاملة النظافة .. والنمور .. والكلاب اللتي نسيت معني الصهيل ..
تركنا مخالبنا لتقلمها الحياة .. وضعنا .. ضعنا كالخيمة الكبيرة .. بعدد ثقوب يفوق عدد النجوم المرسومة علي بشرتها ..!!

فارس الغزو يقول...

هي كمعاطف الأوجاع التي نلبسها، هي الأسئلة السكاكين !

كم هي مؤلمة و واضحة أوتاد خيمة السيرك في حياتنا وعلى كل أرضنا !

صانعة الأحلام يقول...

لا أحد يرى أبعد من موضع قدميهِ... ولو أطلق البصر!
إلا المولعُ بالتفاصيلِ الدقيقة, الرقيقة, والبشر!
دُمتِ في رقة سوزان
---
جِهاد نجيب

Rana Hashem يقول...

حياتنا هي بالفعل كسيرك هزلي .. ندور في دوائر مفزعة من التيه حتى نصل ولا نستطيع ... محبتي سوزان

سوزان عليوان يقول...

شكرًا معتزّ وفارس وجهاد ورنا

السيرك جرح مفتوح، ومفضوح
مرآة من مرايا العالم
والعدم

أمتنّ لأرواحكم الرائية
وقلوبكم الحيّة

دمتم مصابيح على خراب

Rosa يقول...

تأمل رائع مؤلم وفريد من نوعه
تحياتى لك ولكلماتك التى طالما وصفت الامنا :)

سوزان عليوان يقول...

شكرًا أيتها الوردة

على الألم
أن يتخذ شكل الكلمات
أو ألوان رسومات
أو هيئة أي كائن
كي يكف، على الأقل، عن العدم

تحياتي ومحبتي